محمد أبو زهرة

1824

زهرة التفاسير

رحمته فتح باب الهجرة وحث عليه ، وبمقتضى رحمته مكن للمهاجر من السعة والعمل في الأرض ، وبمقتضى رحمته اعتبر نية الهجرة إذا صاحبها العمل كافية للثواب والأجر العظيم . اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وبدلهم من بعد خوفهم أمنا ، ومن بعد ضعفهم قوة ، واهدهم للعمل بكتابك وسنة نبيك ، إنك سميع الدعاء . وبعد أن ذكر أن الهجرة فيها عزة ، وأن المهاجر يجد سعة من الرزق ، يذكر سبحانه ما سهله تعالى للمهاجر أو المسافر من عبادة تيسيرا له ، وتشجيعا على السفر ، فقال سبحانه : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ الضرب في الأرض هنا هو السفر ، وأطلق الضرب في الأرض على السفر ؛ لأن المسافر يضرب برجله وبراحلته وبمتوكئه على الأرض في حركة مستمرة جزءا من النهار ، فكان التعبير عن الضرب في الأرض بالسفر في موضعه ، وهو مجاز واضح في علاقته . ونجد التعبير في هذا النص الكريم يختلف عن قوله تعالى : وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ في الآية السابقة في أمرين : أحدهما : أنه في الآية السابقة عبر عن السفر بالهجرة : والهجرة تقتضى الانتقال على غير عودة ، وعلى نية الإقامة في مكان آخر يتخذه موطنا ومستقرا ومقاما دائما له ، وفي هذا النص عبر عن السفر بالضرب في الأرض ، أي أنه سفر على نية العودة غالبا ، ولا يريد به اتخاذ مكان آخر موطنا له . والثاني : أن الآية الأولى تنص على الهجرة في سبيل الله تعالى ، والخروج من أرض الذل إلى أرض العزة ، حيث يمكن أن تكون بالهجرة نصرة للمسلمين ، يعد في سبيل الله ؛ أما في هذه الآية ، فإن السفر عام يشمل ما يكون في سبيل إقامة الدين ، وما يكون في طلب الرزق ، وزيارة ذوى الأرحام ، وغير ذلك مما يعد قربة أو أمرا مباحا .